.
 
الواعظ الناصح || رسالة إلى المغترب المبتعث

عرض المقالة : رسالة إلى المغترب المبتعث

Share |

الصفحة الرئيسية >> زاوية المبتعثين

اسم المقال: رسالة إلى المغترب المبتعث
كاتب المقال: أ. د. ناصر بن سليمان العمر
تاريخ الاضافة: 29/01/2012
الزوار: 822
التقييم: 0.0/5 ( 0 صوت )

رسالة إلى المغترب المبتعث

لقد استوقفتني كلمة لمالك بن نبي يصور فيها واقع بعض المبتعثين، فيقول: "حين كان الطالب الياباني يذهب إلى الغرب في أواخر القرن الماضي، كان يذهب ليتعلم التقنية، مع الحفاظ المتشدد على أخلاق بلاده، كما سيذهب بعده التلميذ الصيني المتواضع "نسيان هماسين" ليتعلم في مختبر "جوليو كوري" بباريس، وليعود لبلاده بالمعلومات النووية التي تدهش العالم اليوم، بينما غالب ما يحدث للطالب، الذي يذهب من بلادنا، أن يعود بشهادة، ولكن بعد أن يترك روحه في مقاهي وخمارات الحي اللاتيني، أو النوادي الموجودة بسان حرمان"!


وما ذكره المفكر الجزائري يمثل واحدة من الآفات العظمى التي تعرض للمبتعثين، فإن فقدان الهوية وذوبان الأذهان الهشة في الثقافة الغربية، فضلاً عن كونه أحد علامات ضعف الشخصية والاعتداد بالنفس والدين، فإنه يمثل ضربة قاضية تقصم الهدف المنشود من الابتعاث، بل المقصود من وراء العملية التعليمية كلها، فلا خير في تعليم هدفه الرئيس متقوقع حول خدمة الذات وهموم النفس المتعلقة بالأمور المعيشية أو الحياتية الاعتيادية، بل لا خير في تعليم ليس الهدف من ورائه رفع الأمة أو سد ثغرة فيها، أو النهوض بحضارتها وقيمها وأخلاقها ودينها جميعاً.


فكيف إذا كان ما يسببه أولئك الذائبون هو ارتفاع في منسوب المد التغريبي، الأمر الذي يجعله يطغى فيغمر القيم والأخلاق التي ابتعث المبتعث من أجل رفعها.


وما أعظم خيبتنا حينما يهاجر عقل كان بإمكانه أن يصبح إسلامياً جباراً، و كنا نؤمل أن يرجع إلينا بالخطط والمشاريع التنموية التي ترفع شأن البلاد وأهلها، فإذا به يتعاظم ثم يتسامى في أجواء الغرب - رغم برودة المناخ - على أبناء دينه وأرضه! بينما يطرق حياء بيني يدي (جورج) إذا لحظ طرفه ما وُصم بالرجعية وإن كان من صميم الدين، وربما خطف بهرج الغرب بصيرته، فعاد ينظر نظر الشزر إلى ما مقته (لويس) أو إبليس ويتمنى أن لو كان بمقدوره أن يقبره، بينما كان المؤمل أن يبرزه.


إنها خيبة أمل عظيمة.. ولكن العزاء فيك أنت أنت من أخاطب أيها المبتعث!


فأنت تضع نصب عينيك ما جاء في دائرة المعارف البريطانية وإن لم تقرؤه فيها "من اتفاق أعظم علماء التربية في العهد الحاضر، على أن عملية التربية ليست بضاعة تصدر إلى الخارج، أو تستورد إلى الداخل، كالمصنوعات أو المواد الخام، أو الحاجيات والمخترعات التي تختص ببلد دون بلد، إنما هي لباس يفصل على قامة هذه الشعوب وملامحها القومية، وتقاليدها الموروثة، وآدابها المفضلة، وأهدافها التي تعيش لها، وتموت في سبيلها، وأن التربية ليست إلاّ وسيلة راقية مهذبة لدعم العقيدة التي يؤمن بها شعب أو بلد، وتغذيتها على الاقتناع الفكري القائم على الثقة والاعتزاز، وتسجيلها بالدلائل العلمية إذا احتيج إليها، لتخليد هذه العقيدة، ونقلها سليمة إلى الأجيال القادمة، وأن أفضل تفسير لنظام التربية أنها السعي الحثيث المتواصل، يقوم به الآباء والمربون لإنشاء أبنائهم، على الإيمان بالعقيدة التي يؤمنون بها، والنظرة التي ينظرون بها إلى الحياة والكون، وتربيتهم تربية تمكنهم من أن يكونوا ورثة صالحين للتراث الذي ورثه هؤلاء الآباء عن أجدادهم، مع الصلاحية الكافية للتقدم والتوسع في هذه الثروة" ومن أجل هذا رضيت بالغربة وغادرت عرين عزك لتعود موطداً لأركانه.


لقد أثنى مالك على الطالب الياباني الذي رجع مع حفاظه المتشدد على أخلاقه وأعراف مجتمعه، وعلى الطالب الصيني الذي يعود بالمعلومات التي تصنع الضجيج وتملأ العالم إيجاباً وسلباً، وتكفل لبلده البقاء كدولة دائمة العضوية في مجلس ظلم الشعوب المسلمة.


ولكنه نسي أن يذكرك، وأنت الطالب المثابر، والداعية المجاهد، وعالم الغد المنتظر.

 

نسي أن يذكرك مع أنه لم يسلم على يدي "نسيان هماسين" الذي أشاد به من أسلم على يديك، وما رأى الغربيون من دماثة أخلاقه وكريم فعاله ما رأوا منك، ولا عرفوا من خلاله شهامة أهل الصين ووفائهم، كما عرفوا منك شهامة أهل هذا الدين ووفائهم. أنت علمتهم أن البذل قد يكون لغير الدنيا قد يكون لغير المصلحة الشخصية قد يكون لأجل الأخرى، ولا أظنهم يجدون هذا المعنى عند غيرك أيها المسلم، فتحت أعينهم على حضارة تتجاوز أهداف أصحابها حدود الشهوات المبتذلة، أو متع الدنيا الفانية إلى ما ورائها.


عرفوا في إكرامك لزوجك، وبرك بأقاربك وأرحامك، وحنوك على الصغير، وتوقيرك للكبير، ومراعاتك لحقوق لم ينص عليها القانون عندهم معاني الإنسانية التي غابت عنهم.


رأتك عجوزهم تبر أباك وأمك فأنت تنفق من مكافأتك المحدودة جزءاً مقدراً في الاتصال بهم والاطمئنان على أحوالهم وطلب رضاهم، فإذا جاءتك مهاتفة من أحدهما أو كلاهما فإذا بها تراك تطير فرحاً، فتنكس رأسها المسكينة المحرومة وتدمع عينها التي ما اكتحلت برؤية بنيها منذ نمو قوادمهم واشتداد أجنحتهم، فلا تدري إلى أي أصقاع الأرض طاروا، وفي أي فجاجاها حطوا، وهم كذلك في شأنها!


أخي المبتعث الكريم:

الحديث معك ذو شجون، ولا أود الإطالة مخافة السآمة، وأنت اللبيب الذي يفهم بالإشارة، والحر الذي تكفيه العبارة.


ولكني أذكرك بأن هاهنا أناساً ينتظرونك ولست أعني العائلة الكريمة ولا الجماعة أو الربع، بل تنتظرك أمة مكلومة فلا تخيب رجاءها ولا تعد إليها خالٍ وفاضك من آمالها.


هذا والله أسأل لك التوفيق والتسديد، والثبات والعصمة، وأن يوفقك للصبحة الصالحة، التي تعينك على أمر دنياك ودينك، وأن يردك إلينا بالسلامة قافلاً كما صحبك بها مرتحلاً.



طباعة


روابط ذات صلة

  هل المبتعث مسافر؟؟  
  ابتعاث الطلاب بعد المرحلة الثانوية  
  مبتعث للدراسة وصرفوا له راتبا كاملا بالخطأ  
  هل يجوز للمبتعَث التصرف بالمال الزائد عن رسوم الدراسة؟  
  حكم إقامة الطلبة المبتعثين في بلاد الكفار  
  مخاطر سفر الطلاب للدراسة في الخارج والإقامة مع العائلات هناك  
  رسالة من الطنطاوي إلى المبتعث  
  رسالة إلى طبيب مبتعث  
  نصيحة مهداة للمبتعثين والمبتعثات وأولياء أمورهم  
  أثرُ الابتعاثِ على فكرِ الشَّبابِ  
  ظاهرة الابتعاث .. الأزمة وفلسفة الحلول المطروحة  
  إلى ولدي المبتعث .  
  إلى المبتعثين في بلاد الغرب  


 

التعليقات : 0 تعليق

 

القائمة الرئيسية

 
 

عدد الزوار

اجمالي الزوار : 469260


 
 

خدمات ومعلومات

 
 

القائمة البريدية

اشتراك

الغاء الإشتراك

 
 

تسجيل الدخول

اسم المستخدم
كلمة المرور

 
 

أريد حلا

 
 

التصويت

هل لك ورد يومي من القرآن؟
نعم
ورد اسبوعي
ليس لي ورد محدد
لا أقرأ القرآن إلا في رمضان

 
 

بحث عن صحة حديث



اكتب كلمة أو حديث المراد البحث عنه:

 
 

البحث

البحث فى