.
 
الواعظ الناصح || وجعـل الليل سكـنًا

عرض المقالة : وجعـل الليل سكـنًا

Share |

الصفحة الرئيسية >> حروف متناثرة >> متفرقات

اسم المقال: وجعـل الليل سكـنًا
كاتب المقال: موقع وذكر
تاريخ الاضافة: 21/03/2012
الزوار: 731
التقييم: 5.0/5 ( 1 صوت )

وجعـل الليل سكـنًا

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإنّ من رحمة الله بعباده أنّه لم يجعلهم يعيشون في ليل دائم، ولا نهار دائم بل جعل الليل والنهار خلفة، كل واحد منهما يخلف مكان صاحبه ويعقبه، وهذا فضل منه ورحمة؛ قال تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة القصص: 73]، قال الإمام الطبري: "يقول تعالى ذكره {وَمِن رَّحْمَتِهِ} بكم أيّها النّاس {جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} فخالف بينهما فجعل هذا الليل ظلامًا {لِتَسْكُنُوا فِيهِ} وتهدءوا وتستقروا لراحة أبدانكم فيه من تعب التصرف الذي تتصرفون نهارا لمعايشكم". [تفسير الطبري (10/89)].

فالله سبحانه جعل هذا الليل سكنًا لنا، قال تعالى: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [سورة الأنعام: 96]، وقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [سورة يونس: 67]، وقال: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [سورة غافر: 61].

فهذا الظلام الذي يغطي وجه الأرض إنّما هو لمنفعة هذا المخلوق، وهو رحمة من الله تعالى بعباده، يقول ابن كثير عند تفسير قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [سورة الفرقان: 47]: "أي يلبس الوجود ويغشاه كما قال تعالى: {وَالْلَيْل إذَا يَغْشَى} [سورة الليل: 1]، {وَالنَّوْمَ سُبَاتًا} أي قاطعًا للحركة لراحة الأبدان فإنّ الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة فإذا جاء الليل وسكن سكنت الحركات فاستراحت فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معا، {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} أي ينتشر النّاس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم؛ كما قال تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} ". [تفسير ابن كثير (3/427)].

فالله هو أرحم الراحمين، وهو الخبير بما خلق، والعليم بما يصلح أحوالهم، وما ينفعهم أو يضرهم، وأحسن فجعل هذه الموازين لكي تستقر حياة المخلوقات، وتعيش بميزان لا اضطراب فيه ولا خلل، {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [سورةالنمل: من الآية 88]، {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [سورة السجدة: 6-7]، ولكن البعض من خلقه عكسوا هذا الميزان، وتنكبوا تلكم الفطرة، فشاهدنا من قلب ليله إلى نهار، ونهاره إلى ليل، فتجده يسهر الليل كله، وينام النهار كله، وليته سهر في مرضات الله، وعلى طاعة الله أو ما ينفعه، ولكن سهر في استنزال غضب الله والتعرض لسخطه، فكم من أناس يسهرون على المعاصي من مشاهدة القنوات الخليعة، والصور العارية، ومتابعة الفساد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فهؤلاء، قد أخلوا بما خلقوا له، وأخلوا بتلك الفطرة التي خلقهم الله عليها، ولم يعملوا وفق ما أراد الله، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله..

وبسبب الاختلال الذي حدث في تصرفات هؤلاء، نتجت لديهم أضرار كثيرة على دينهم وعلى دنياهم، فكم من عبادة ضيعوها! وكم من معصية اقترفوها! وكم من خير حرموا منه، وكم فوتوا على أنفسهم أعمال تنفعهم!. بل وجنوا من وراء السهر الضرر الكبير على أبدانهم لما يسببه السهر من أمراض، كالصداع والتعب والغثيان واحمرار العينين وانتفاخهما والتوتر العصبي والقلق وضعف الذاكرة والتركيز وسرعة الغضب والألم في العضلات وبعض المشكلات الجلدية كالبثور وغيرها..

حتى جهاز المناعة لدى الإنسان قد يتأثر بالسهر، وقد عكفت إحدى الجامعات بكندا طوال عشر سنوات على دراسة السبب الخافي لبعض الأمراض فتبين أنّ النوم وقلته وراءها، وأنّ هذا الجهاز العصبي للإنسان مبرمج على ساعات اليقظة وساعات النوم التي يحتاجها الإنسان وعند حدوث أي تغيير في هذه البرمجة يصاب الجهاز المناعي بالخلل والاضطراب.

فالسهر إذا لم يكن في منفعة فلا خير فيه، فلو أن الإنسان أدى ما عليه، وأكمل أعماله، ونام في أول الليل وقام في آخره لظفر بالخير الكثير، وأراح بدنه من مشاق أعمال النهار، فيستيقظ في يومه الثاني وهو مستعد لقضاء أعمال ذلك اليوم، فلا تتزاحم عنده الأعمال، ويسعد في حياته، وبعد مماته.

نسأل الله أن يجعلنا من عباده المخلصين، ومن أولياءه المتقين، وأن يوفقنا لكل خير، ويجنبا كل شر، ونسأله أن يلهمنا رشدنا، ويعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، ويزيدنا علما، وصلى الله وسلم على نبيه محمد، والحمد لله رب العالمين.

طباعة


روابط ذات صلة

  الفايس بوك.. والوجه الآخر  
  اعتقادات خاطئة حول رفة العين والفأل السيئ  
  سر الحياة  
  في ذكرى وفاة أبي بكر رضي الله عنه.  
  المخدرات .. أخطارها وعوامل انتشارها  
  فضائياتنا بين الفصحى والعامية  
  قصص وعبر (كانت الصدقة شفاء)  
  كيف تتعامل مع الملاقيف  
  ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً )  
  البدعة  
  الخلوة... دعوة للشيطان وطرد للعفة  
  مشكلة رنين الجوال في المساجد  
  صور من الواقع تنافي تعظيم البلد الحرام  
  خطوات عملية للتعظيم  
  هنيئا لكم يا أهل مكة الجوار فأين حقه ؟!  
  إمساك الإناء باليسرى ودعمه باليمنى عند الشرب  
  السبب في تفضيل اليد اليمنى على اليد اليسرى  
  رسالة إلى كل مبتعث  
  احسبها صح  
  العشق الشيطاني - الإعجاب  
  الحب والمراسلة قبل الزواج ودعوى عدم القدرة على قطع العلاقة  
  خطر الإعجاب بين الجنسين ، وعلاجه ، وكيفية تصرف المعجَب به  
  وقفاتٌ مع التقويم  
  همسات في حياة موظف  
  خلق المسلم عند المصائب والأمراض  
  الحب الحقيقي  
  علاج الهموم والغموم  
  الحجة الواهية  
  هبوا إلى درجات الكمال.. نساءً ورجالاً.. ودرّبوا على الفضيلة أطفالاً.  
  رحم اللـه امـرأً أهـدى إلي عيـوبي ..  
  حوار في أدب الحوار  
  الآقناع القوة المفقودة  
  تحديد جنس المولود بين الحقيقة والشائعات  
  فن التطنيش لمن أراد أن يعيش  

أحدث الإضافـات

  تكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية  
  وقت صلاة الضحى  
  لغتنا العربية هويتنا  
  حكم نشرة " الرقم الخاص بالملِك " ونشرة " رحلة سعيدة "  
  هل تجوز كتابة الآيات القرآنية على شكل حيوانات ؟  
  حكم دراسة علم النفس والقانون  
  معركة حمص الأولى  
  العلاقات غير الشرعية في الحياة الزوجية.  
  صلاة الاستخارة  
  صلاة الاستِسْقاء للنساء  


 

التعليقات : 0 تعليق

 

القائمة الرئيسية

 
 

عدد الزوار

اجمالي الزوار : 458881


 
 

خدمات ومعلومات

 
 

القائمة البريدية

اشتراك

الغاء الإشتراك

 
 

تسجيل الدخول

اسم المستخدم
كلمة المرور

 
 

أريد حلا

 
 

التصويت

هل لك ورد يومي من القرآن؟
نعم
ورد اسبوعي
ليس لي ورد محدد
لا أقرأ القرآن إلا في رمضان

 
 

بحث عن صحة حديث



اكتب كلمة أو حديث المراد البحث عنه:

 
 

البحث

البحث فى